الفارق بين الدستور الشرعي ووثيقة الانقلاب : مقارنة رائعة


دراسة حديثة تكشف الفارق بين الدستور الشرعي ووثيقة الانقلاب



- الانقلاب على الدستور الشرعي من أجل هيمنة العسكر على مفاصل الدولة
- الانقلابيون يعملون لاستعادة الطبيعة العلمانية لدول   المخلوع مبارك
- الانقضاض على كل ما تم إنجازه في المسار  الديمقراطي بعد 25 يناير

- التعتيم الإعلامي والإقصاء الفكري والسياسي   يعكس التوجه الاستبدادي للانقلاب

      اللجنة التأسيسية لدستور 2012
-         منتخبة من ممثلي الشعب بالبرلمان وفي ظل أجواء حرية تامة
-         فيها تمثيل سياسي متوازن وبناء على توافق على معايير الاختيار
-         ضمت القوى المدنية ومعارضي الرئيس مرسي وحكومته
-         ظلت تعمل لأشهر طويلة في العلن وأمام الشعب المصري
-         جلساتها كانت علنية ومذاعة مباشرة وسط نقاش حقيقي للمواد
-         طافت كافة محافظات مصر لإجراء حوار مجتمعي فاعل
      دستور الشعب
-         أكد مكتسبات الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير
-         ركز على الموروث الثقافي والحضاري والهوية الإسلامية لمصر
-         عمل على توازن العلاقة بين المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة
-         حظر الإساءة أو التعرض للرسل والأنبياء والذات الإلهية
-         نصت مواده على رعاية الدولة للقيم والآداب والأخلاق العامة 
-         أطلق حرية تأسيس الأحزاب وأتاح العمل بحرية في الحياة السياسية
-         كفل حقل المواطن في التقاضي أمام قاضية الطبيعي والعادل
-         لم يحصّن أحدا وجعل كل المواطنين متساويين في الحقوق والواجبات
-         حسم النظام الانتخابي ونسب تمثيل فئات المجتمع بالبرلمان ولم يميز أحدا
-         عمل على الفصل بين السلطات وحدد العلاقة بينها في ظل نظام ديمقراطي
-         نص على محو الأمية خلال 10 سنوات وطالب بتضافر جهود الدولة لذلك
-         حافظ على لُحمة الجماعة الوطنية ومفهوم المواطنة لجميع أفراد الشعب
-         حارب الفساد ونص على إنشاء المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد
-         أعطى حرية كبيرة للصحافة والإعلام ونص على حرية تداول المعلومات
-         احتكم إلى الشريعة الإسلامية فيما يخص أوضاع المرأة والأسرة
     لجان تشويه الدستور الشرعي
-         معيّنة من سلطة الانقلاب على الشرعية ولا تعبّر إلا عن نفسها 
-         تشكلت باختيار ممثلي جهات عينتها وحددتها سلطة انقلابية
-         استبعدت القوى السياسية التي أثبتت ثقلها المجتمعي في 5 استحقاقات
-         لم يشعر أحد بعمل لجنة العشرة ولم تعرف آلية تلقيها للمقترحات
-         لجنة الخمسين عملت في سرية وانفرادية تامة وغياب الحوار مجتمعي
-         اقتصر الحوار (الشكلي) على جلسات نوعية لبعض القوى المؤيدة للانقلاب
       وثيقة الانقلاب
-         تجاهلت ثورة يناير ومكتسباتها وركزت على تظاهرات 30 يونيو المفتعلة
-         استهدفت نسف الموروث الثقافي والحضاري ومواد الهوية الإسلامية
-         احتفت بالعلمانية وركزت على الثقافة العربية والفرعونية والقبطية فقط
-         جعلت المؤسسة العسكرية دولة فوق الدولة وحصنت قادتها من الحساب
-         أضفت القدسية على إنتاج البشر وسحب التقديس مما هو ديني
-         قدمت المواثيق والمعاهدات الدولية على قيم وعادات المجتمع
-         حظرت تأسيس الأحزاب على أساس ديني لإقصاء القوى الإسلامية
-         توسعت بشكل خطير في محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية
-         حصنت منصب وزير الدفاع وجعلته أعلى من رئيس الدولة
-         لم تحدد النظام الانتخابي ونسب تمثيل فئات المجتمع بالبرلمان وتركتها لشخص معين
-         غياب الفصل بين سلطات الدولة وعدم تحديد العلاقة بين مؤسساتها
-         ألغت النص في دستور الثورة على محو الأمية رغم أنها قضية قومية 
-         تكرس للطائفية وتضرب مفهوم المواطنة في مقتل وتزيد الفجوة المجتمعية
-         ألغت نص محاربة الفساد لإعادة نظام المخلوع بفساده واستبداده
-         عصفت بحرية الصحافة والإعلام ووصت جزءا من المجتمع بالإرهاب
-         وضعت المرأة والأسرة رهنًا بالمواثيق الدولية التي تخالف الشريعة
أكدت دراسة حديثة حول وثيقة دستور الانقلاب العسكري؛ ومقارنتها بدستور البلاد الشرعي 2012، أن التعديلات التي أقحمها الانقلابيون على لونت الدستور بروح علمانية، متجاهلة البعد الإسلامي للهوية المصرية، رغم أنه البعد الأكثر جوهرية والأكثر ارتباطا بعموم المصريين، كما أنها أعلت القيم العلمانية الغربية وثقافتها لاستهداف كل ما يشير من قريب أو بعيد لكل ما هو موروث ثقافي إسلامي يعبر عن الهوية الإسلامية لمصر.
وكشفت الدراسة التي أعدها مركز الحضارة للدراسات السياسية وجاءت في أربعة تقارير متصلة منفصلة، حقيقة أن الانقلاب على الرئيس الشرعي والدستور المستفتى عليه من الشعب جاء من أجل وضع دستور انقلابي يتيح هيمنة العسكر على مفاصل الدولة، وهو ما يسمح للانقلابيين استعادة الطبيعة العلمانية لدولة المخلوع مبارك، حيث إنهم يعملون على عودة هذا النظام الفاسد بكل شخوصه ورموزه الفاسدة.
وأكدت الدراسة أن التعديلات التي أدخلها الانقلابيون على دستور الشعب تعتبر انقضاضا واضحا على كل ما تم إنجازه في المسار الديمقراطي بعد 25 يناير؛ حيث إن هذا الدستور الانقلابي تجاهل تمامًا ثورة يناير واحتفى بتظاهرات 30 يونيو المختلقة لاعادة البلد إلى ما قبل 25 يناير 2011، لافتة إلى أن التعتيم الإعلامي والإقصاء الفكري والسياسي للجان وضع دستور الانقلابيين يعكس التوجه الاستبدادي للانقلاب العسكري الدموي.

عرقلة الإنجاز الدستوري
جاء التقرير الأول من الدراسة حول "التعديلات الدستورية وإشكالياتها"؛ مؤكدًا أن التيار المسمى بالمدني عمل على عرقلة عملية إعداد الدستور منذ بدايتها، وتعامل بمنطق "الرفض المسبق والمتجدد" لكل خطوة نحو صياغته؛ بدءًا من الإصرار على الابتداء به تحت شعار "الدستور أولًا"، إلى رفض اللجنة التأسيسية الأولى والعمل على إجهاضها؛ الأمر الذي وقع بفعل حكم قضائي إداري، ورغم التوافق على معايير تشكيل اللجنة التأسيسية الثانية لوضع دستور الثورة وانخراط ممثلي هذه القوى "المدنية" فيها ومشاركتهم فيها بجدية، إلا أن الحسابات السياسية والأنانية جدّدت روح المزايدة على مسائل جزئية، وتم تصنيع حالة خلافية بدعوى "غلبة تيار معين داخل اللجنة"، حتى تمت عملية انسحاب شبه جماعية في لحظات الدستور الأخيرة (قبل أسبوعين من إنهائه وبعد الاتفاق على معظمه).
وأضاف أنه ما إن تم الاستفتاء على الدستور الشرعي وحصوله على موافقة شعبية بلغت حوالي 64 بالمائة حتى أصبحت مقولة "تعديل الدستور" ثابتًا من ثوابت معارضي الرئيس محمد مرسي وحكومته، ومطلبًا ضاغطًا أساسيًا، وأحيانًا شرطًا للحوار بين قوى المعارضة بقيادة ما عرف "بجبهة الإنقاذ" والرئاسة!، ثم جاء انقلاب 3 يوليو ليعطل الدستور المستفتى عليه بدعوى "التعديل" وليعود بالبلاد إلى مرحلة كنا قد تجاوزناها هي مرحلة "الإعلانات الدستورية"، تحت هيمنة عسكرية واضحة.
لجان انقلابية معينة
وتحدثت الدراسة بعد ذلك في تقريرها الأول أيضًا حول عدد من النقاط منها "منشأ عملية التعديل الدستوري وسياقها"، مشيرة إلى أن الإعلان الدستوري جاء ليعبر عن ارتباك وخلط السلطة الانقلابية أو تلاعبها بالنصوص والقصود منذ البداية، فتعطيل دستور 2012 كان يعني العمل بإعلان دستوري بديل ومؤقت، لكن الأخير اشتمل على مبادئ دستورية دائمة أكثر منه قواعد دستورية خاصة بالمرحلة.
وحول اللجان التي شكلتها سلطة الانقلاب العسكري ما بين لجنة العشرة ولجنة الخمسين تؤكد الدراسة ملاحظتين مهمتين، الأولى: هي الخلل في المنطق؛ فلجنة العشرة من حيث تشكيلها هي لجنة فنية أولى بالصياغة القانونية في حين أنهم قاموا بتحديد المضمون، أما لجنة الخمسين والتي هي الأقرب إلى العمل في المضمون تم تكليفها بأمر الصياغة النهائية.
أما الملاحظة الثانية: فهي أن اللجنتين لم تعبّرا إلا عن نفسيهما، بلا أدنى تدخل مجتمعي، كما أن تشكيل كل منهما بالتعيين، وبدون معايير للتمثيل، بل وبمعايير جانحة  لتيار وفصيل بعينه.
وأوضح التقرير الأول أن ما تم بعد الانقلاب جاء على عكس ما تم من مزايدات حول دستور 2012 ولجنتيه، فلجنة المائة الأخيرة كان فيها ممثل من كافة الجهات التي ذكرت في لجنة الخمسين مضافًا إليها تمثيل سياسي متوازن وبناء على توافق على معايير الاختيار، فضلًا عن الفارق الأكبر وهو أن لجنة المائة 2012 تشكلت باختيار من ممثلي الشعب المنتخبين وفي ظل مؤسسات منتخبة وأجواء حرية، وأن لجنة الخمسين تشكلت باختيار من ممثلي جهات عينتها وحددتها سلطة انقلابية عطلت المؤسسات المنتخبة وأعلنت على معارضيها ما أسمته "الحرب على الإرهاب".
ولفت إلى أن الشيء الأكثر وضوحًا في تشكيل اللجنتين أنهما لم تضما أيا من معارضي الانقلاب على الشرعية، كذلك فقد استبعدت اللجنتان القوى السياسية التي أثبتت في خمسة استحقاقات انتخابية ثقلها المجتمعي والسياسي الأكبر.
وفيما يخص عمل اللجنتين وسياقهما: أكدت الدراسة أنه يمكن القول إنه لم يشعر أحد بعمل لجنة العشرة في الفترة من 21 يوليو 2013 حتى صدر عنها وثيقة تعديلاتها بتاريخ 25 أغسطس 2013، ولم تعرف آلية تلقيها للمقترحات ولا آلية تعاملها معها فعملت في سرية وانفرادية تامة.. كما أن جميع أعمال لجنة الخمسين كانت غير معلنة، وما يناقَش من بعض المواد المعدلة هى تسريبات وتصريحات مجتزأة من سياق نقاشها من أعضاء اللجنة، مع غياب كامل لحوار مجتمعي حقيقي، حتى يفاجأ الشعب المصري بوثيقة تهبط عليه من السماء مطلوب منه التصويت عليها بعد أيام.
ونبهت الدارسة إلى أن ذلك بخلاف الوضع مع مواد دستور 2012 التي ظلت لأشهر محل أخذ ورد من جميع طوائف الشعب باهتمام غير مسبوق، هذا في حين أنه طوال فترة عمل لجنة الخمسين (غير الشرعية) اقتصر الحوار المجتمعي (الشكلي) على بعض الجلسات النوعية لبعض القوى المنتقاة والتي كلها مناصرة للانقلاب العسكري، ولا شك أن هذا عوار كبير، أن تكتب وثيقة دستورية جديدة، في وضعٍ وصفه رئيس هذه اللجنة الخمسينية بوضع "الفتنة" ثم لا يقال دستور مسلوق على غرار ما قيل عن دستور 2012 الذي وصف "باللا توافقي"!
تراجع مكتسبات 25 يناير
وحول المتن الذي تم إنجازه؛ قالت الدراسة إنه من المهم ملاحظة أن الوثيقة المعدلة التي خرجت عن لجنة العشرة لم تثر الكثير من النقاش لأسباب؛ منها اقتصارها على مهمة التعديل وعدم تطرقها لفكرة "التبديل" أي إصدار دستور بديل، وأن ما تناولته بالتعديل لم يكن فجا بالدرجة اللافتة، فضلا عن تصريحات مبكرة لمرشحين بلجنة الخمسين ونخب مؤيدة للانقلاب بأن المنتظر هو دستور جديد، في حين أن لجنة الخمسين لم تتقيد بهذه التعديلات وتعاملت معها باعتبارها معطى جزئيا غير ملزم ولا كافٍ؛ ومن ثم جرى الحديث عن نيــتها إعداد دستور جديد لا تلتزم فيه بتعديل الدستور المستفتى عليه ولا بتعديلات لجنة العشرة.
أما ما أنجزته لجنة الخمسين فيرى التقرير أنه لا يمكن الحديث عن أي إنجازات كبرى حققتها التعديلات الدستورية، بل يمكن الحديث عن قدر كبير من التراجع عن مكتسبات الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير، وبعد رصد سريع لما تم حذفه وتعديله وإضافته، يمكن ملاحظة استهداف مواد الهوية وإعادة صياغة العلاقات المدنية - العسكرية لصالح هيمنة العسكر على السياسات العامة وتمييزهم عن باقي مؤسسات الدولة وتحصين قياداتهم، وكأن الهدف من التعديل هو إلغاء مكتسبي الهوية والديمقراطية الذين حققهما دستور 2012 من بين مكتسبات أخرى.
ومن الأمثلة الدالة علي ذلك أن هناك فارقا شاسعا بين موقع ثورة 25 يناير في ديباجة دستور 2012 والديباجة المعدلة التي ركزت على ثورة 19 وثورة 52 وربطت ثورة يناير بالجيش وليس الشعب وبـ30 يونيو الـمختَلف حولها في المجتمع المصري.
وبالنسبة لمواد الهوية فهي الأكثر استهدافًا واستئصالًا من الدستور، ففي الديباجة توفرت إشارات واضحة –وبأمثلة- للهوية العربية والفرعونية والقبطية، بينما تراجعت أهمية الهوية الإسلامية، أما عن مجمل المواد التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالهوية، فقد تم العبث بها رغم أنها كانت ناجمة عن عملية توازنات دقيقة تستجيب لمطالب كافة التيارات الفكرية وتجيب على مخاوف جميع القوى المجتمعية.
وفيما يخص العملية التشريعية، تم إلغاء المادة 219 المفسرة للمادة الثانية (والتي تمسك بها حزب النور من قبل وكانت السبب الأول والرئيسي لكثير من اعتراضات وتحفظات القوى الليبرالية، والآن أول من يتحدث عن عدم قدسيتها هو حزب النور نفسه، والذي بسبب موقفه المتشدد دارت كثير من المفاوضات للوصول إلى صيغة توافقية للمادة 219 التي وافق عليها غالبية ممثلي القوى السياسية الحاضرة في لجنة المائة، قبل أن يعود بعضهم ويطالب لاحقا بإلغائها). وقد قبل حزب النور استبدالها بمجمل أحكام المحكمة الدستورية؛ "وهي الجهة التي اختصت وحدها بتفسير مواد الدستور في أحكامها"، عند تفسير المقصود بمبادئ الشريعة الإسلامية، وهو الطرح نفسه الذي اعترض عليه حزب النور من قبل باعتباره فيه تجاهل لكثير من أحكام الشريعة، ولم ينسحب ممثل حزب النور من اللجنة واكتفى بالخروج من القاعة عند التصويت على الديباجة!!
وفى فصل المقومات الثقافية تم النص على حماية "الرصيد الثقافي المعاصر المعماري والأدبي والفني بمختلف تنوعاته، والاعتداء على أي من ذلك جريمة يعاقَب عليها القانون"، معنى ذلك ببساطة أن النقد الفني ورفض بعض الأعمال الفنية قد يُصنَّف باعتباره جريمة يعاقب عليها الدستور. بينما تم إلغاء المادة التي تحظر (الإساءة أو التعرض للرسل والأنبياء (مادة 44)، مع إلغاء (المادة 11) التي تفيد برعاية الدولة للأخلاق العامة. أي أنها عملية إضفاء التقديس على ما هو إنتاج بشري، وسحب التقديس مما هو ديني. وأمام إعلاء فكرة تجريم نقد ومناقشة التراث والرصيد الثقافي تم إلغاء (المادة 213) الخاصة بإنشاء الهيئة العليا لحفظ التراث والتي كانت ستمثل جهودا مؤسسية رسمية للحفاظ بشكل عملي ومتكامل على هذا التراث.
سمات النظام السياسي
وفيما يخص السمات الديمقراطية للنظام السياسي، أكد التقرير الأول من دراسة مركز الحضارة أن هناك أكثر من مأخذ مستجد في التعديلات يؤثر سلبيا على ديمقراطية النظام؛ أولها تقييد تأسيس الأحزاب بحظر تأسيسها على أساس ديني؛ وهو ما يطلق اليد لإقصاء القوى الإسلامية من الحياة السياسية، ويدفعها للعمل من وراء الستار، ويُصعّب من حضورها على الساحة بشكل ديمقراطي؟
 ثانيها وأخطرها: العلاقات المدنية- العسكرية التي تتجه وفق التعديلات إلى هيمنة العسكري على المدني من خلال التوسع في محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وتحصين منصب وزير الدفاع بجعل تعيينه مرهونا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهي مادة فريدة من نوعها لا توجد في أي دستور على وجه الأرض، وتجعل من وزير في الحكومة أقوى من الرئيس المنتخب، وتجعل من الجيش مؤسسة منفصلة عن الدولة إن لم تكن فوقها، خاصة مع مزيد من التقييد في مراجعة الميزانية العسكرية.
وثالثها: غموض البنية الهيكلية للنظام السياسي بعدم النص لا على النظام الانتخابي ولا خطوات المرحلة الانتقالية بالنص على ترتيب محدد للانتخابات البرلمانية والرئاسية، كما ترك لقانون الانتخابات طرق التمثيل المناسب للعمال والمسيحيين وذوي الاحتياجات الخاصة؛ وبذلك تم ترك مثل هذه المسائل الجوهرية مفتوحة ومجهولة وخاضعة لقرار شخص معين مؤقت غير شرعي هو المستشار عدلي منصور .
ورابع المآخذ على المسار السياسي الديمقراطي في وثيقة دستور الانقلاب: هو غياب الرسم الواضح للعلاقة بين السلطات ومؤسسات كل منها، وعدم طرح مخارج واضحة تتلافى شلل النظام حال وجود أزمة سياسية أو تنازع بين أطراف النخبة الحاكمة، وذلك في ظل اختلال التوازن بين السلطة التشريعية والتنفيذية بما يزيد من فرص عدم الاستقرار السياسي؛ حيث تأسس نظام يسهل هدمه ويكون الحل فيه هو القاعدة ويكون الاستمرار هو الاستثناء.
وذكرت الدراسة أمثلة ذلك بتسهيل قرار الرئيس بحل البرلمان، كما أنه في حال الخلاف بين الرئيس ومجلس النواب على تشكيل الحكومة فإنه لم يتم النص بوضوح على كيفية تشكيل الحكومة بعد حل البرلمان وانتظارا لتشكيل الحكومة الجديدة، وهل ينفرد الرئيس بتشكيلها؟ وكيف يتم النص على اختيار الرئيس –بالتشاور مع رئيس الوزراء– لوزير الدفاع في حين أن تعيينه محصن بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مادة أخرى لمدة ثماني سنوات؟ ثم إنه بإقرار المسئولية السياسية لرئيس الجمهورية، وهى فكرة غير مطبقة من قبل مع وجود رئيس وزراء مسئول سياسيا أمام البرلمان أيضا، فمع انتخاب رئيس الجمهورية بشكل منفصل عن مجلس النواب -الذي يختار رئيس الوزراء- تزيد احتمالات أن يأتي كل منهما من حزب مختلف، فيسهل على رئيس الوزراء -صاحب الأغلبية البرلمانية- إزاحة رئيس الجمهورية أو على الأقل الهيمنة على صنع القرار السياسي، وبالعكس فقد يسعى الرئيس لحل البرلمان إذا كان مناوئا له (خاصة مع تسهيل هذه العملية في مادة أخرى).
وبالنسبة لمواد الحقوق والحريات العامة: فقد رأت الدراسة أن التعديلات المقدمة لم تُضف شيئا جوهريا، بل تم فقط إعادة ترتيب المواد وإحداث تعديل طفيف في الصياغات الشكلية، رغم قيام النخبة العلمانية بتصديع رءوسنا عن نقص شديد في دستور 2012 فيما يخص الحريات والحقوق، في حين تم إلغاء الحد الزمني لمحو الأمية (وهو عشر سنوات)، رغم أنها قضية قومية لا بد من دفع جهود الدولة للانتهاء منها بأسرع وقت؛ في حين كانت هناك مبادرة لمحو الأمية تعدها الرئاسة للإعلان عن خلو المحافظات تدريجيا من الأمية قبل العشر سنوات تطبيقا للدستور –ربما خلال خمس سنوات- وكان مفترضا إعلانها منتصف يوليو 2013 حيث كان قد تم تخصيص الموارد بشكل سنوي، وتم وضع خطة تنفيذية تفصيلية تشترك فيها الجمعيات الأهلية والدعاة في المساجد وأجهزة الدولة المختلفة.
وخلص التقرير الأول في دراسة مركز الحضارة إلى أنه من السهل ملاحظة أن الهدف الأساسي من تعطيل دستور 2012 وإجراء تعديلات عليه، ليس إلا إتمام الانقلاب لخطته في الإطاحة بالشرعية والانقلاب على الرئيس الشرعي وإلغاء مجلس الشورى، مع دس مواد تزيد من هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة وتستعيد الطبيعة العلمانية لدولة المخلوع مبارك، باختصار هو التأسيس للقاعدة القانونية للثورة المضادة والانقضاض على كل ما تم إنجازه في المسار الديمقراطي من مؤسسات منتخبة بعد 25 يناير 2011.
دستور انقلابي مشوه
وفي التقرير الثاني من الدراسة والذي جاء تحت عنوان "دستور 2013 و2012 نظرة مقارنة"، أعادت الدراسة لتأكيد أن عملية صناعة دستور 2013 شهدت أكبر درجة ممكنة من التعتيم الإعلامي والإقصاء الفكري والسياسي وفقدان التواصل بين واضعي الدستور والرأي العام وهو ما يعكس توجها استبداديا لا يعترف بحق القوى السياسية في مشاركة أهم وثيقة لصناعة حاضرها ومستقبلها.
واستنتجت الدراسة أن الوثيقة الانقلابية تكرس للطائفية وتضرب مفهوم المواطنة في مقتل، حيث تعطي تمييزا للشباب والأقباط والمعاقين وفقا لنص المادة الانتقالية رقم (244).
كما قطعت وثيقة الانقلاب ذراع محاربة الفساد الأساسية في دستور 2012 وتستأصلها من جذورها حينما تلغي المادة 204 والمعنية بإنشاء المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد والمسئولة عن محاربة الفساد، ويكتفي بعبارات فضفاضة عن مكافحة الفساد دون وجود آلية محددة تحيل النصوص إلى واقع معاش، وهي ردة تعكس رغبة دفينة في عودة فساد نظام حكم المخلوع مبارك دون رادع من قانون.
وأشارت الدراسة إلى أن تلك الوثيقة تهدر حق المواطن في المثول أمام قاضيه الطبيعي وتهدر صلاحيات القاضي الطبيعي في مباشرة حقه في  الحكم على المدنيين الذي سيصبح -وفقا لدستور الانقلاب- يحاكم أمام القضاء العسكري في عدد كبير من القضايا تمتد لتشمل الخلافات العادية في محطات البنزين والسولار التابعة للقوات المسلحة.. وهو وضع لا يوجد في أي دولة تحترم حقوق الإنسان، وعلى الرغم من تحديد الحالات التي يحاكم فيها المدني أمام القضاء العسكري إلا أنها مطاطة ومرنة، وعلى الرغم من الإشارة إلى أن القضاء العسكري مستقل والقضاة لا يعزلون، إلا أنهم يعينون من قبل وزير الدفاع أحد أعضاء السلطة التنفيذية، ما يؤثر على استقلال القضاء والقضاة.
ولفتت إلى أنه قد انتقد كل من هم في لجنة الخمسين هذا النص في دستور 2012 وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها إلا أنهم قبلوا النص نفسه في دستور 2013، ودافعوا عنه بل وعن تحصين موقع وزير الدفاع، وهذا دليل على انقلابهم على المبدأ ذاته.  ويوضح التقرير الثاني من دراسة مركز الحضارة كيفية عصف دستور الانقلاب بحريات الصحافة والإعلام، وكيفية ادعائه تهمة "الإرهاب" على المجتمع ووصمه بها، دون أدلة، ويشير إلى أن دستور الانقلاب يضع المرأة والأسرة رهنا بالمواثيق الدولية وأحكام الدستور، وليس وفقًا لإطار الشريعة الإسلامية نظرًا لخصوصية تلك القضايا في الإسلام.
أما التقرير الثالث من الدراسة والذي جاء تحت عنوان: "تقييم مشروع دستور 2013"، فقد أشار إلى بعض الأوجه التي اعتبرتها مميزات مؤثرة يجب الإشارة إليها مثل إلغاء مجلس الشورى، وكذلك نسب العمال والفلاحين في مجلس النواب.
وأخيرا جاء التقرير الرابع من دراسة مركز الحضارة تحت عنوان: "محاكم القضــاء العسكرى وإحالة المدنيين إليه فى مشروع الدستور المشوه"؛ ففي أجواء دستور الانقلاب والذي يكرس لتعرض العديد من قضايا المدنيين إلى المحاكم العسكرية، ألمحت الدراسة إلى عدد من عيوب هذا القضاء بشكل عام والتي من بينها أن الإدارة العامة للقضاء العسكرى، الذى ينتمى إليه قضاته وأعضاء نيابته، تتبع القيادة العليا للقوات المسلحة. كذلك لا توجد رقابة قضائية على الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية. فلا يجوز الطعن فى هذه الأحكام أمام أية جهة، قضائية كانت أم إدارية، وفقا لأحكام المادة 117 من هذا القانون، حتى ولو كان المحكوم عليه فيها من المدنيين.
وأشار التقرير في الختام إلى استحالة ضمان نزاهة الاستفتاء على دستور الانقلاب العسكري الدموي؛ خاصة وفقا للأجواء السياسية والآليات التي ظهرت حتي الآن من قوى الانقلاب، وما يتعلق منها باستبعاد كافة الأصوات الإعلامية غير الموالية لها.

المصدر : بوابة الحرية والعدالة


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More